أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
328
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقد تقدم الخلاف في ذلك ، فأغنى عن إعادته . والتطيّر : التشاؤم ، وأصله : أن يفرق المال ويطير بين القوم ، فيطير لكل أحد حظه وما يخصه ، ثم أطلق على الحظ والنصيب السيّىء بالغلبة ، وأنشدوا للبيد : 2288 - تطير عدائد الأشراك شفعا * ووترا والزّعامة للغلام « 1 » الأشراك : جمع شرك ، وهو النصيب ، أي : طار المال المقسوم شفعا للذكر ، ووترا للأنثى . والزعامة : الرياسة للذكر ، فهذا معناه : يفرق ، وصار لكل أحد نصيبه ، وليس من الشؤم في شيء ، ثم غلب على ما ذكرت لك . ومعنى : « طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ » أي : حظهم ، وما طار لهم في القضاء والقدر ، أو شؤمهم ، أي : بسبب شؤمهم عند اللّه ، وهو ما ينزله بهم . قوله : مَهْما . « مَهْما » : اسم شرط ، يجزم فعلين ، ك « إن » ، هذا قول جمهور النحاة . وقد تأتي للاستفهام ، وهو قليل جدا ، كقوله : 2289 - مهما لي اللّيلة مهما ليه * أودى بنعليّ وسرباليه « 2 » يريد : مالي الليلة مالي ، والهاء للسكت . وزعم بعض النحويين أن الجازمة تأتي ظرف زمان ، وأنشد : 2290 - وإنك مهما تعط بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا « 3 » وقول الآخر : 2291 - عوّدت قومك إنّ كلّ مبرّز * مهما يعوّد شيمة يتعوّد « 4 » وقول الآخر : 2292 - نبّئت أنّ أبا شتيم يدّعي * مهما يعش يسمع بما لم يسمع « 5 » قال : ف « مَهْما » هنا ظرف زمان ، والجمهور على خلافه ، وما ذكره متأول ، بل بعضه لا يظهر فيه للظرفية معنى . وقد شنع الزمخشري على القائل بذلك ، فقال : « وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرّفها من لا يد له في علم العربية ، فيضعها في غير موضعها ، ويحسب « مَهْما » بمعنى : « متى ما » ، ويقول : مهما جئتني أعطيتك ، وهذا من كلامه ، وليس من واضع العربية ، ثم يذهب فيفسر « مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ » بمعنى : الوقت ، فيلحد في آيات اللّه ، وهو لا يشعر ، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثوّ بين يدي الناظر في كتاب سيبويه . قلت : هو معذور في كونها بمعنى الوقت ، فإنّ ذلك قول ضعيف ، لم يقل به إلا الطائفة الشاذة . وقد قال جمال الدين بن مالك : « جميع النحويين يقول : إنّ « مَهْما » و « ما » مثل « من » في لزوم التجرد عن الظرف ، مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 200 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 78 ) ، أمالي القالي ( 1 / 95 ) ، اللسان « شرك » . ( 2 ) البيت لعمرو بن ملقط الطائي انظر شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 44 ) ، المغني ( 1 / 108 ) ، الهمع ( 2 / 58 ) ، الدرر ( 2 / 74 ) ، التهذيب « مه » . ( 3 ) البيت لحاتم الطائي انظر ديوان ( 68 ) ، الهمع ( 2 / 57 ) . ( 4 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 104 ) . ( 5 ) البيت لطفيل الغنوي انظر ديوانه ( 104 ) ، الأشموني ( 4 / 12 ) .